عبد الكريم الخطيب
1184
التفسير القرآنى للقرآن
وغيرهم من أصحاب النار ، خيرا من العدم ، واللّه سبحانه وتعالى يقول : « يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً » ( 40 : النبأ ) أيتفق هذا وذاك الذي نقول به . . ؟ ونقول : إن الحياة بعد الموت نعمة لأهل الجنة وأهل النار جميعا ، وهي خير من العدم ! أيّا كانت صورة تلك الحياة ، وأيّا كان مصير الأحياء فيها . . نقول هذا ، وبين أيدينا كثير من الشواهد ، من كتاب اللّه . . فأولا : من أمنيّات أهل النار في النّار أن يردّوا إلى الحياة الدّنيا . . وذلك في كثير من الآيات القرآنية ، كما يقول سبحانه وتعالى عنهم : « وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » ( 27 : الأنعام ) وكما يقول سبحانه في هذه السورة على لسان أهل النار : « رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ » ( الآية : 107 ) وكما يقول جل شأنه على لسانهم أيضا : « رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ » ( 44 : إبراهيم ) . وهذا يعنى أنهم ، وهم في النار ، متمسكون بالحياة ، راغبون فيها ، على أية صورة كانوا عليها . . وثانيا : أن ما يقوله الكافر في الآخرة ، حين يرى العذاب ، وهو قوله : « يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً » هو بسبب ما يلاقى الكافرون من بلاء ، تضيق به نفوسهم ، شأنهم في هذا شأن كثير من الناس في هذه الحياة الدنيا حين تحتويهم حياة قاسية ، يتمنون معها الموت . . ولكنهم في الواقع متمسكون بالحياة حريصون عليها . . ولو طلع عليهم الموت في تلك الحال ، لفزعوا منه وكربوا ، ولطلبوا المهرب ، إن كان ثمة مهرب ! وقليل من الناس أولئك الذين يرحلون عن هذه الدنيا ، دون أن تنازعهم